
الحلال: "الثورة الطهوية" الصامتة التي تعيد تشكيل السياحة في كوريا الجنوبية.
HalalGo Team
Verification Team • 1/6/2026
في الأيام الأخيرة من عام 2025، كان مطعم للأسماك المشوية بالقرب من محطة سينتشون في حي سيووديمون (سيول) مكتظًا بالزبائن دون وجود مقاعد شاغرة. ومن بين نحو 40 زبونًا، كان معظمهم من السياح المسلمين المرتديات للحجاب. كانوا يشيرون بثقة إلى الصور في قائمة الطعام، ويطلبون أطباقهم بحماس، ثم يهتفون “Terbaik” (الأفضل) عند تقديم أطباق مثل الماكريل المشوي، والماكريل الإسباني، والحبار المقلي الحار.
كان هذا المطعم في السابق مكانًا مألوفًا لطلاب الجامعات، لكنه بعد أن تناقلته أوساط السياح المسلمين كوجهة “صديقة للحلال”، انقلبت تركيبته الزبائنية رأسًا على عقب، إذ باتت إيرادات الزبائن الأجانب تشكل نحو 70% من إجمالي الدخل.
أصبحت الحلال معيارًا استهلاكيًا جديدًا يعيد تشكيل سوق المطاعم السياحية في كوريا الجنوبية.
وجاء هذا التحول متزامنًا مع الارتفاع الكبير في أعداد السياح المسلمين. ووفقًا لمنظمة السياحة الكورية، ارتفع عدد السياح المسلمين من 360 ألفًا عام 2022 إلى 800 ألف عام 2023، ثم بلغ 1.03 مليون زائر في عام 2024. وحتى أكتوبر 2025، وصل العدد إلى 998 ألفًا، ما يشير إلى احتمال تجاوز حاجز المليون للعام الثاني على التوالي.
وبالتوازي مع زيادة الأعداد، برز تحول واضح في أنماط الاستهلاك. فبعد أن كان السياح المسلمون يتركزون سابقًا في منطقة إيتايوون لتناول الكباب أو لحم الضأن، باتوا اليوم يبحثون بنشاط عن المطاعم الكورية التي تلتزم بمعايير الحلال، من حيث المكونات وطرق التحضير وحتى بيئة الخدمة.
وفي ظل وجود نحو 15 مطعمًا فقط حاصلًا على شهادة الحلال الرسمية من لجنة الحلال التابعة لاتحاد المسلمين الكوري (KMF)، يعتمد السياح المسلمون بشكل متزايد على وسائل التواصل الاجتماعي وتطبيقات الطعام والسفر لتبادل التقييمات وتوجيه بعضهم البعض. وقد أصبحت المطاعم التي لا تستخدم لحم الخنزير أو الكحول، وتعتمد على المأكولات البحرية والخضروات أو البدائل النباتية، وجهات مفضلة وجاذبة.
في منطقة ميونغدونغ، عند الساعة الواحدة ظهرًا يوم 26 ديسمبر، كان أحد المطاعم الكورية مكتظًا بالسياح المسلمين، حيث اصطفت عائلات تضم أطفالًا صغارًا على الدرج لطلب طبق بوداي-جيغي وكيمباب خالٍ من اللحوم المصنعة. وعلى الجدار، عُلّقت لافتة كتب عليها “تتوفر غرفة للصلاة”، وهو تفصيل صغير لكنه بالغ الأهمية في جذب هذه الفئة الخاصة من الزبائن.
ولا تقتصر الخيارات على المطاعم التقليدية، إذ أصبحت المأكولات النباتية البوذية خيارًا شائعًا أيضًا لدى السياح المسلمين. ففي إنسادونغ، اصطفت نساء محجبات أمام مطعم يحمل لافتة “مطعم نباتي”، وطلبن أطباقًا مثل لفائف بولغوجي الصويا، ولفائف فطر الشيتاكي، والفطر المقلي مع صلصة المشمش. ويشير الموظف سونغ تايهيون إلى أن المطعم يقدم أيضًا دروسًا في الطهي مخصصة للسياح المسلمين المهتمين بالمأكولات النباتية.
ويرى البروفيسور جونغ ران-سو من قسم السياحة بجامعة هانيانغ أن هذا الاتجاه يعكس تحولًا مهمًا، إذ يقول: “ينتقل سلوك الاستهلاك لدى السياح المسلمين من مرحلة سلبية تقتصر على الأطعمة المألوفة، إلى مرحلة نشطة من استكشاف وتجربة المطبخ الكوري ضمن إطار المعايير الدينية”.
ومن منظور اقتصادي، لم تعد الحلال مسألة دينية بحتة، بل أصبحت سوقًا استهلاكية عابرة للحدود ذات قوة شرائية كبيرة ونمو مستدام.
وتقف آسيا، التي تضم أكثر من 60% من المسلمين في العالم، أمام فرصة نادرة لتحويل السياحة الحلال إلى ركيزة نمو جديدة، لا سيما في ظل احتدام المنافسة السياحية بعد الجائحة.
ووفقًا لمؤسسات بحثية دولية، تجاوز إنفاق السياح المسلمين عالميًا 200 مليار دولار سنويًا، ومن المتوقع أن يستمر في الارتفاع بفضل التركيبة السكانية الشابة، واتساع الطبقة الوسطى، واتجاه السياحة العائلية طويلة الإقامة. والأهم أن إنفاق هذه الفئة لا يقتصر على الإقامة والتنقل، بل يشمل أيضًا الطعام، والتسوق، والخدمات الصحية، والتعليم، والتجارب الثقافية، مما يخلق آثارًا اقتصادية مضاعفة واسعة على الاقتصادات المحلية.
بحسب صحيفة العالم وصحيفة فيتنام.